من عهد الرسول إلى رؤية السعودية الحديثة.. كيف تطورت مراسم غسل الكعبة المشرفة عبر أكثر من 14 قرنًا؟

من عهد الرسول إلى رؤية السعودية الحديثة.. كيف تطورت مراسم غسل الكعبة المشرفة عبر أكثر من 14 قرنًا؟
مراسم غسل الكعبة المشرفة

تُعد مراسم غسل الكعبة المشرفة من أقدم الشعائر المرتبطة بخدمة بيت الله الحرام، إذ توارثها المسلمون عبر القرون منذ عهد النبي محمد صل الله عليه وسلم، وشهدت على مر التاريخ العديد من التطورات التنظيمية والفنية، حتى أصبحت اليوم نموذجًا يجمع بين المحافظة على السنة النبوية والاستفادة من أحدث التقنيات والحرف السعودية.

وفي كل عام هجري، تستقطب هذه المناسبة اهتمام المسلمين حول العالم، لما تحمله من رمزية دينية تعكس مكانة الكعبة المشرفة والعناية الكبيرة التي توليها المملكة العربية السعودية للحرمين الشريفين.

نائب أمير مكة يتشرف بغسل الكعبة نيابة عن خادم الحرمين الشريفين

وشهد المسجد الحرام هذا العام إقامة مراسم غسل الكعبة المشرفة، حيث أناب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، نائب أمير منطقة مكة المكرمة، الأمير سعود بن مشعل بن عبد العزيز، لأداء هذه المهمة.

وجرت مراسم الغسل باستخدام ماء زمزم الممزوج بماء الورد الفاخر وأجود أنواع العود، فيما جرى تنظيف جدران الكعبة من الداخل بقطع قماش خاصة أُعدت مسبقًا من قبل الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي.

متى بدأت مراسم غسل الكعبة المشرفة؟

مراسم غسل الكعبة المشرفة
مراسم غسل الكعبة المشرفة

ترجع بداية مراسم غسل الكعبة المشرفة إلى العام الثامن للهجرة، عندما دخل النبي محمد صل الله عليه وسلم مكة المكرمة بعد الفتح، وقام بغسل الكعبة المشرفة من الداخل، لتصبح هذه الممارسة سنة سار عليها الخلفاء الراشدون ومن جاء بعدهم عبر العصور الإسلامية.

وخلال فترات تاريخية مختلفة، كانت الكعبة تُغسل ثلاث مرات سنويًا، ثم مرتين في العام، قبل أن تعتمد المملكة العربية السعودية منذ عام 2016 إقامة مراسم الغسل مرة واحدة سنويًا، بهدف التيسير على ضيوف الرحمن، خاصة مع مشاريع التوسعة الكبيرة التي يشهدها المسجد الحرام.

اهتمام متواصل منذ عهد الملك عبد العزيز

وحظيت الكعبة المشرفة باهتمام كبير منذ تأسيس المملكة العربية السعودية، حيث كان الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود يحرص على حضور مراسم غسل الكعبة بنفسه، ويصطحب أبناءه للمشاركة فيها، تأكيدًا على أهمية خدمة الحرمين الشريفين.

واستمر هذا النهج في عهد الملوك من بعده، لتصبح مراسم الغسل مناسبة رسمية يحضرها كبار المسؤولين وضيوف المملكة، في مشهد يعكس مكانة هذه الشعيرة لدى القيادة السعودية.

سلم الكعبة.. تحفة هندسية تجمع بين التراث والتقنية

من أبرز عناصر مراسم غسل الكعبة المشرفة الحديثة السلم، وهو الذي صُنع عام 2000 ليحل محل السلالم القديمة.

وصُمم السلم وفق معايير هندسية متطورة تجمع بين المتانة وسهولة الحركة، مع الحفاظ على الطابع الإسلامي في الزخارف والنقوش.

ومن أبرز مواصفاته:

  • مصنوع من أجود أنواع خشب الساج (التك).
  • يبلغ طوله 5.65 متر.
  • ارتفاعه 4.80 متر.
  • عرضه 1.88 متر.
  • يزن نحو 6500 كيلوجرام، ما يمنحه ثباتًا وأمانًا عاليين أثناء الاستخدام.
  • مزود بإضاءة وتقنيات حديثة تسهّل عملية الدخول إلى الكعبة المشرفة.

الحرف السعودية تسجل حضورًا في مراسم الغسل

ةشهدت مراسم هذا العام مشاركة مميزة من المعهد الملكي للفنون التقليدية “وِرث”، بالتعاون مع الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، في خطوة تهدف إلى إبراز الهوية الوطنية والحرف التقليدية السعودية داخل أحد أهم المشاهد الدينية في العالم الإسلامي.

وشملت المشاركة تصميم وتنفيذ مجموعة من الأدوات المستخدمة أثناء مراسم الغسل، اعتمادًا على ثلاث حرف تقليدية رئيسية هي:

  • فن المعادن.
  • التطريز اليدوي.
  • صناعة الأخشاب.

وتضمنت الأدوات:

  • عربة مخصصة لتنظيم مستلزمات الغسل.
  • إناء لتحضير خليط ماء زمزم والورد.
  • وعاء لصب المياه.
  • حافظة للسوائل.
  • صندوق لحفظ الأدوات.
  • مبخرة خاصة لتعطير الكعبة.
  • حافظة للمناديل.
  • قطعة قماش مخصصة للتنظيف والتجفيف.

وروعي في تصميم جميع هذه القطع المزج بين الوظيفة العملية والجمال الفني، مع تزيينها بزخارف مستوحاة من الفن الإسلامي والخط العربي، واستخدام خامات عالية الجودة تضمن متانتها واستدامتها.

كيف تطورت مراسم غسل الكعبة عبر 1440 عامًا؟

رغم أن جوهر مراسم غسل الكعبة بقي ثابتًا منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا باعتباره سنة نبوية، فإن تفاصيل تنظيمها شهدت تطورًا كبيرًا مع مرور الزمن.

فانتقلت من مراسم بسيطة في بدايات الإسلام إلى منظومة متكاملة تعتمد أحدث أساليب التنظيم والتقنيات الحديثة، مع الحفاظ على الطابع الديني والروحانية التي تميز هذه المناسبة، في صورة تعكس اهتمام المملكة المستمر بخدمة الحرمين الشريفين والمحافظة على أحد أبرز الموروثات الإسلامية عبر التاريخ.

محمد أيمن مهران حاصل على بكالوريوس علوم الحاسب ونظم المعلومات اعمل في مجال الصحافة وتدوين المحتوى منذ عام 2012 بجانب عملي في بعض الصحف المصرية والعربية..