تاريخ “البقيع الثاني” يروي لقاء الصحابة بخطى المسيح في صعيد مصر
Published On 30/8/202630/8/2026
|
آخر تحديث: 15:05 (توقيت مكة)آخر تحديث: 15:05 (توقيت مكة)
القاهرة- في البهنسا، يمثل التاريخ أكثر من مجرد ذكرى، فهو عقيدة حية فوق الأرض وتحتها، يتوافد الزائرون من جميع الاتجاهات لاستكشاف آثارها، هنا في قرية صغيرة في صعيد مصر، تتداخل حكايتان تفصل بينهما قرون، لكن يجمع بينهما المكان ذاته.
لقد شهدت هذه الأرض مرور المسيح عيسى عليه السلام وأمه مريم العذراء خلال رحلتهما، كما وطأت أقدام صحابة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فيها، لتصبح البهنسا شاهداً فريداً على التاريخ الديني في مصر، بدءاً من رحلة العائلة المقدسة وصولاً إلى بدايات الفتح الإسلامي.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
تقع البهنسا على بُعد حوالي 16 كيلومتراً من مركز بني مزار في محافظة المنيا، حيث تظهر كأنها صفحة مفتوحة من كتاب التاريخ، فهي واحدة من محطات مسار العائلة المقدسة الـ26 في مصر، وفقاً لما هو معلن، وأيضاً واحدة من أبرز مناطق مقابر الشهداء في الذاكرة الشعبية، حتى أنها عُرفت بلقب “البقيع الثاني”.
تتردد في قبابها وترابها روايات موثقة عن آلاف الصحابة والتابعين المدفونين فيها، ومن بينهم نحو 70 ممن شهدوا غزوة بدر مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
خصوصية البهنسا
ما يميز هذا المكان هو أنه لم يكن مجرد محطة مؤقتة في رحلة العائلة المقدسة، ولم يكن مجرد أرض استقر فيها جيوش الفتح، بل كانت في زمن الرومان من المواقع الحصينة في صعيد مصر، قبل أن تصل إليها جيوش المسلمين بقيادة عمرو بن العاص، بعد أن أذن له الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمواصلة فتح مصر، وكان وجهته إلى معقلين بارزين للرومان: البهنسا في المنيا وإهناسيا في بني سويف.
هنا دارت معركة عنيفة، تبعها سيطرة شبه كاملة على مصر من قبل الخلافة الإسلامية، ولا تزال قبور الصحابة الشهداء موجودة، مما يجعل القرية تنافس في أهميتها منطقة الحجاز بفضل احتوائها على قبور شخصيات بارزة من صدر الإسلام، وذوي صحابة كبار، مثل أبناء خالد بن الوليد وأبي بكر الصديق وعقيل بن أبي طالب.
يتدفق الآلاف من الزائرين المصريين والعرب والأجانب إلى البهنسا، وكل واحد منهم يبحث عن هدف معين، يقوم أبناء القرى والمدن المجاورة بزيارة المكان للحصول على البركة وقضاء الحوائج، متوسلين بأولياء الله الصالحين من الصحابة والتابعين، كما هو متعارف عليه في الموروث الشعبي المصري.
أما الكثير من الزائرين العرب، فإنهم يأتون لنفس السبب، بينما يقصد العديد من السياح الأجانب القرية لمشاهدة “شجرة مريم”، التي يُقال إن العذراء وابنها المسيح قد استظلا بها، وشربا من بئر صغيرة مجاورة لها لمدة ثلاثة أيام قبل أن يستكملا رحلتهما في مصر.
وفقاً للدكتور عاطف نجيب، الباحث المتخصص في التاريخ القبطي والمدير السابق للمتحف القبطي، فإن الروايات المتكررة حول مرور المسيح وأمه في البهنسا صحيحة، مشيراً إلى أن القرية كانت واحدة من النقاط الـ26 في رحلة العائلة المقدسة بمصر.
أدلة وشواهد
يرى شعبان عبد الرازق، أستاذ السياحة والفنادق بجامعة المنيا والمتخصص في التاريخ الإسلامي، أن الأعداد الكبيرة من الصحابة والتابعين المدفونين في مقابر البهنسا تستند إلى أدلة متعددة تؤكد ذلك، بما في ذلك شواهد القبور التي تحمل أسماء هؤلاء منذ وقت دفنهم، وما وثقه مؤرخون موثوق فيهم، مثل المقريزي، الذي وصفها بأنها “أرض الشهداء والصحابة” في كتابه “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار”، المعروف أيضاً باسم “خطط المقريزي”.
وفي حديثه للجزيرة نت، أكد عبد الرازق أن وزارة الأوقاف المصرية قد بدأت في تطوير منطقة البهنسا بشكل كامل لتصبح جزءًا من خريطة السياحة الدينية، مستفيدة من المعالم الإسلامية التي تميزها، فضلاً عن وجود شجرة مريم التي يزورها الآلاف من الأقباط سنوياً.
هو يعتقد أن “لا يوجد مكان معلوم في التاريخ الإسلامي يضم هذا العدد من الصحابة في موقع واحد، بعد أرض البقيع في السعودية، سوى البهنسا”.
كما يؤكد عبد الرازق، الذي أعد رسالة دكتوراه حول تاريخ منطقة البهنسا، على صحة الروايات المتعلقة بوجود رفات عدد من أبناء كبار الصحابة، وأحد الصحابة من الجيل الأول، وتحديداً الذين شهدوا غزوة بدر مع الرسول صلى الله عليه وسلم، مشيراً إلى وجود عدد من الأضرحة والمقامات وشواهد القبور التي تثبت هوية من يوجدون فيها.
ومن بين أبرز الشخصيات المدفونة في البهنسا- وفقاً له- القعقاع بن عمرو، الذي له ضريح باسم، ولكنه مغلق حالياً ضمن أعمال التطوير التي تشهدها المنطقة.
أيضاً يمتلك المكان رفات سليمان ابن الصحابي الكبير خالد بن الوليد، وزياد ابن أبي سفيان، ابن عم الرسول، ومحمد بن عبد الرحمن، حفيد أول الخلفاء الراشدين، والحسن الصالح بن علي زين العابدين، من آل بيت النبوة، إضافة إلى جعفر وعلي ابني عقيل بن أبي طالب.
ومن الملاحظ أيضاً في مقابر شهداء البهنسا، كما يذكر الأستاذ عبد الرازق، وجود ضريح يحمل اسم “السبع بنات”، والذي يضم جثامين الفتيات والنساء اللاتي قدمن خدمات التمريض والمياه للمقاتلين، وسقطن شهيدات في المعارك.
راحة نفسية
“تجربتي في البهنسا أشبه بتلك التي نشعر بها في المسجد النبوي في المدينة المنورة”، بهذه الكلمات يصف سعيد أبو عامر شعوره خلال وجوده بجوار “شجرة مريم”، التي جاء إليها بعد زيارة بعض الأضرحة بمقابر الصحابة، ومن بينها مقام علي الجمام، قاضي البهنسا زمن الفتح العربي، الذي أُضيف إلى جيش المسلمين في ذلك الوقت وقاتل في صفوفهم، وتقع الشجرة على بعد خطوات قليلة منه.
يقول أبو عامر للجزيرة نت: “من لم يزر البهنسا فقد فاته نصف عمره، نشعر براحة نفسية كبيرة تحت الشجرة التي استظل بها المسيح وأمه”، مضيفاً: “لولا المسافة الطويلة بين قريتي والبهنسا، لكنت قد أقمت هنا بشكل دائم، لما لهذا المكان من فضل كبير”.
وفي نفس السياق، يقف مسن سبعيني أمام ضريح القاضي علي الجمام، قائلاً: “أنا أعتمر هنا منذ أكثر من 25 عاماً، وأحرص على أداء الجمعة وزيارة أولياء الله الصالحين، وأشعر هنا بالراحة النفسية، ففي هذا المكان رائحة النبي وأصحابه، هم الذين يجلبون لنا البركة”.
وفي الجهة المقابلة، داخل غرفة مبنية بالطوب اللين وتعلوها قبة بيضاء صغيرة، تتجول السيدة الخمسينية أم هاشم، في خشوع شديد، حول مقام يضم رفات جعفر وعلي نجلي عقيل بن أبي طالب، وتقول للجزيرة نت بلغة عفوية بسيطة: “هنا الجمال كله، لقد كرمنا الله في المنيا بأحباب النبي وأصحابه وولاد عمه ليكون لدينا شعور بوجوده”، مضيفة: “من لم يسعَ لأداء العمرة والحج وزيارة النبي، يأتي هنا كتعويض”.
بهذه الصورة، تظل البهنسا مكاناً يعكس ذاكرة دينية متعددة الطبقات، بين شجرة تُعزى إلى رحلة العائلة المقدسة، ومقامات تروي قصص الصحابة والتابعين، بينما تستعد المنطقة لاستعادة دورها في خريطة السياحة الدينية، ويبقى ترابها يحمل حكايات تتداخل فيها الحقيقة والأسطورة والموروث الشعبي.

تعليقات